قال القرطبي: الجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى.
واعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعي ناسخاً تجوزاً في الإسناد بناء على أن النسخ يقع به والمنسوخ هو الحكم المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف والحكمة في النسخ أن الطبيب المباشر لإصلاح البدن يغير الأغذية والأدوية بحسب اختلاف الأمزجة والأزمنة كذلك الأنبياء المباشرون لإصلاح النفوس يغيرون الأعمال الشرعية والأحكام الخلقية التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير والأغذية للأبدان فإن أغذية النفوس وأدويتها هي الأعمال الشرعية والأخلاق المرضية فيغيرها الشارع على حسب تغير مصالحها فكما أن الشيء يكون دواء للبدن في وقت ثم قد يكون داء في وقت آخر كذلك الأعمال قد تكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت وقس عليه حال المرشد والمسترشد فإن التربية على القاعدة التسليكية بحسب أحوال المشارب ولا يلقاها من المرشدين إلا ذو حظ عظيم.
{أَلَمْ تَعْلَمْ} الخطاب للنبي عليه السلام ومعنى الاستفهام تقرير أي: أنك تعلم {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير.