قلت هذا تعليم من الله عباده أنه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق الله لأنه أعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار وهذا كقوله تعالى: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} (التوبة: 30) {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ} (التوبة: 68) .
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}
وكلمة كانوا مقحمة لإفادة دوام كذبهم وتجدده أي: بسبب كذبهم المتجدد المستمر الذي هو قولهم آمنا إلخ وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته وتخييل أن العذاب الأليم لاحقٌ بهم من أجل كذبهم نظراً إلى ظاهر العبارة المتخيلة لأنفراده بالسببية مع إحاطة علم السامع بأن لحوق العذاب بهم من جهات شتى وأن الاقتصار عليه للإشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه.
والكذب: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله.
وأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام: (كذب ثلاث كذبات) فالمراد به التعريض لكن لما شابه الكذب في صورته سمي به وإحدى الكذبات قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصافات: 89) أي: ذاهب إلى السقم أو إلى الموت أو سيسقم لما يجد من الغيظ في اتخاذهم النجوم آلهة قاله ليتركوه من الذهاب معهم إلى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر أصنامهم.
والثانية قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} (الأنبياء: 63) هذا على الفرض والتقدير على سبيل الإلزام كأنه قال لو كان إلهاً معبوداً وجب أن يكون قادراً على أن يفعله فإذا لم يكن قادراً عليه يكون عاجزاً والعاجز بمعزل عن الألوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم في العكوف عليه فهذا القول تهكم بعقولهم.
وثالثتها قوله في حق زوجته سارة رضي الله عنها: «هذه أختي» والمراد منه الأخوة في الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لأن من دين ذلك الملك الذي يتدين به في الأحكام المتعلقة بالسياسة لا يتعرض إلا لذوات الأزواج لأن من دينه أن المرأة إذا اختارت الزوج فالسلطان أحق بها من زوجها.
وأما اللاتي لا أزواج لهن فلا سبيل عليهن إلا إذا رضين.
وأما قوله: {هَذَا رَبِّي} (الأنعام: 76) فهو من باب الاستدراج وهو إرخاء العنان مع الخصم وهو نوع من التعريض لأن الغرض منه حكاية قولهم كذا في «حواشي ابن التمجيد» .