فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 3176

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)}

بنى الله سبحانه أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وتأثير سلطانه ثم قفى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عياناً ويناجيه شفاهاً اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر، وفيه إشارة أيضاً إلى أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت منه بل من حيث إنها نسبة شريفة ووصلة بينه وبين الحق فإن العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالاً من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسب إليه ولذلك فضَّل ما حكى عن حبيبه حين قال: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40) على ما حكاه عن كليمه حيث قال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء: 62)

وتقديم المفعول لقصد الاختصاص أي: نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك والعبادة غاية الخضوع والتذلل.

قل يا محمد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي: إياك نؤمل ونرجو لا غيرك.

والضمير المستكن في {نَعْبُدُ} وكذا في {نَسْتَعِينُ} للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب ولهذا شرعت الجماعة.

قال الشيخ الأكبر والمسك الأذفر قدسنا الله بسره الأطهر في كتاب «العظمة» [1] إذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل فليست بنون التعظيم وإذا كنى عن الحق تعالى بضمير الإفراد فإن ذلك لغلبة سلطان التوحيد في قلب هذا العبد وتحققه به حتى سرى في كليته فظهر ذلك في نطقه لفظاً كما كان عقداً وعلماً ومشاهدة وعيناً وهذه النون نون الجمع فإن العبد وإن كان فرداني اللطيفة وحداني الحقيقة فإنه غير وحداني ولا فرداني من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها وما من جزء في الإنسان إلا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التي فيه أن تلقى على هذه الأجزاء ما يليق بها من العبادات وهي في الجملة وإن كانت المدبرة فلها تكليف يخصها ويناسب ذاتها فلهذه الجمعية يقول العبد تعالى: نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد وإياك نعبد وأمثال هذا الخطاب ولقد سألني سائل من علماء الرسول عن هذه المسألة وكان قد حار فيها فأجبته بأجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد. انتهى كلام الشيخ قدس سره.

[1] المراد به ابن عربي الحاتمي، وله كثير من المسائل والأقاويل الغامضة والملتبسة خالف فيها أهل السنة، ولا يمكن موافقته عليها بحال، كالقول بإيمان فرعون، وقد تم الرد عليه في مقدمة كتابنا (الحاوي في تفسير القرآن الكريم وعلومه) وقد نسب إليه البعض القول بوحدة الوجود، ومن العلماء من كفره بذلك كالإمام (برهان الدين البقاعي) ومنهم من دافع عنه كالإمام (جلال الدين السيوطي) والأولى التوقف في قبول كلامه إلا ما وافق فيه الكتاب والسنة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت