فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 3176

وفي «التأويلات النجمية» :

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} إنما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين:

أحدهما: أن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفاً بصفة الخلافة إذ ليس لكل أحد هذا الاختصاص كما قال تعالى: {يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} (ص: 26) أي: خلقناك مستعداً للخلافة فأعطيناكها.

والثاني: أن للجعلية اختصاصاً بعالم الأمور وهو للملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (الأعراف: 54) أي: الملك والملكوت فإنه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر ذكره بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (الأنعام: 1) فالسماوات والأرض لما كانتا من الأجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية، والظلمات والنور لما كانتا من الملكوتيات غير المحسوسات ذكرهما بالجعلية

وإنما قلنا الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة: 257) فيفيد أنها من الملكوتيات لا من المحسوسات.

وأما الظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جداً، فكذلك لما أخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} (ص: 71) ولما أخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} وفي إني جاعل إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم عليه السلام على الملائكة لينظروا إليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية، فإنه تعالى يقول (ولذلك خلقهم) وسماه خليفة وما شرف شيء من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة

وإنما سمي خليفة لمعنيين:

أحدهما: أنه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها وذلك لأن الله جمع فيه ما في العوالم كلها من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنيويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل، وأكرمه باختصاص كرامة (ونفخت فيه من روحي) وما أكرم بها أحداً من العالمين وأشار إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: 70) فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت