[فصل]
قال بعض المشايخ العباد على قسمين في أعمارهم:
فرب عمر اتسعت آماده وقلَّت أمداده كأعمار بني إسرائيل إذ كان الواحد منهم يعيش الألف ونحوها ولم يحصل على شيء مما تحصل لهذه الأمة مع قصر أعمارها، ورب عمر قليل آماده كثيرة أمداده كعمر من فتح عليه من هذه الأمة فوصل إلى عناية الله بلمحة.
فقد قال أحمد بن الحواري رحمه الله: قلت لأبي سليمان الداراني إني قد غبطت بني إسرائيل قال: بأي شيء؟ قلت بثمانمائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية وكالحنايا وكالأوتار، قال: ما ظننت إلا وقد جئت بشيء، والله ما يريد الله منا أن ييبس جلودنا على عظامنا، ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما ناله ذلك في عمره الطويل، فإن من بورك له في عمره أدرك في يسير من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة، لكثرته وعظمه ودقته ورفعته.
وقد قال الشيخ الشاذلي رحمه الله في كتاب «تاج العروس»
من قصر عمره فليذكر بالأذكار الجامعة مثل سبحان الله عدد خلقه ونحو ذلك.
ويعني بقصر العمر والله أعلم أن يكون رجوعه إلى الله في معترك المنايا ومنحوها من الأمراض المخوفة والأعراض المهولة، وإذا كان الأمر على ما ذكر فالخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم إليه وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وأمسك، فقد جاء:"خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"
ومعناه - والله أعلم - أن الصحيح ينبغي أن يكون مشغولاً بدين أو دنيا وإلا فهو مغبون فيهما، عصمنا الله وإياكم من الغبن والخذلان والخسران.
قيل: الدنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهال.