{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} أي: إنما الكاملون في الإيمان المخلصون فيه.
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} من هيبة الجلال وتصور عظمة المولى الذي لا يزال، وهذا الخوف لازم لأهل كمال الإيمان سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو مؤمناً تقياً نقياً، وهذا بخلاف خوف العقاب فإنه لا يحصل بمجرد ذكر الله بل بملاحظة المعصية، وذكر عقاب الله انتقاماً من العصاة، وأين من يهم بمعصية فيقال له: اتقِ الله، فينزع عنها خوفاً من عقابه ممن ينزع بمجرد ذكره من غير أن يذكر هناك ما يوجب النزع من صفاته وأفعاله استعظاماً لشأنه الجليل وتهيباً منه.
واعلم: أن شأن نور الإيمان أن يرق القلب ويصفيه عن كدورات صفات النفس وظلماتها، ويلين قسوته فيلين إلى ذكر الله ويجد شوقاً إلى الله، وهذا حال أهل البدايات.
وأما حال أهل النهايات فالطمأنينة والسكون بالذكر ولما جاء قوم حديثو عهد بالإسلام فسمعوا القرآن كانوا يبكون ويتأوّهون، فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كنا في بداية الإسلام ثم قست قلوبنا يشير بذلك إلى نهايته في الاطمئنان.
{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}
قال الفاضل التفتازاني، وتبعه المولى أبو السعود في «تفسيره» :
إن نفس التصديق مما يقبل الزيادة والنقصان للفرق الظاهر بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات، وبين يقين الأمة ولهذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه «ولو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»
وكذا بين ما قام عليه دليل واحد من التصديقات وما قامت عليه أدلة كثيرة.
{وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يفوضون أمورهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
قال في «التأويلات النجمية» :
{وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} لا على الدنيا وأهلها فإن من شاهد بنور الإيمان جمال الحق وجلاله، فقد استغرق في بحر لجي من شهود الحق بحيث لا يتفرغ لغيره ويرى الأشياء مضمحلة تحت سطوات جلاله فيكون توكلهم عليه لا على غيره.