قال البغوي: وذلك أنّ الله تعالى أجرى السنة أي لا يأخذ أحداً إلا بعد وجود الذنب
وإنما يكون مذنباً إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته ويكون ذلك بعد إنذار الرسل.
قال في «التأويلات النجمية» :
الاستعداد الروحاني لا يفسد باستيفاء الحظ الحيواني في الطفولية إلا بعد أن يصير العبد مستعداً لقبول فيض العقل، وفيض إلهام الحق عند البلوغ فيخالف الإلهام، ويتبع الهوى فيسفد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (ص: 26) وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوماً ما بلغتهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولاً فيخالفونه فيعذبهم بها، وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى بأن لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أوان ترقي الروح باستعمال المأمورات ونقصانه باستعمال المنهيات انتهى.
فعلى العاقل أن يتدارك حاله ويخاف من الخطاب القهري يوم القيامة.
قال الحسن البصري رحمه الله: الناس في هذه الدنيا على خمسة أصناف: العلماء وهم ورثة الأنبياء، والزهاد وهم الأدلاء، والغزاة وهم أسياف الله، والتجار وهم أمناء الله، والملوك وهم رعاة الخلق فإذا أصبح العالم طامعاً وللمال جامعاً فبمن يقتدَى.
وإذا أصبح الزاهد راغباً فبمن يُستدَل ويهتدَى.
وإذا أصبح الغازي مرائياً والمرائي لا عمل له فمن يظفر بالأعداء.
وإذا كان التاجر خائناً فمن يؤمَن ويرتَضَى.
وإذا أصبح الملك ذئباً فمن يحفظ الغنم ويرعى
والله ما أهلك الناس إلا العلماء المداهنون، والزهاد الراغبون والغزاة المراؤون والتجار الخائنون والملوك الظالمون.
{وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء: 227) .
ثم إن الأحكام الإلهية قد بلغت إلى كل إقليم وبلغ الشاهد الغائب إلى يومنا هذا من قديم وامتلاء الآذان من سماع الحق والكلام المطلق، فلم يبق للسلطان ولا للوزير ولا لغيرهما من الوضيع والخطير عذر ينجيه من الهلاك، وقهر مالك الأملاك والتنبيه مقدم لكل خامل ونبيه، فهلاك القرى وأهلها وظهور الظلمات فرعها، وأصلها إنما هو من غفلة الإنسان أيقظه الله الملك المنان، فلا تلومن عند وجود التنزل إلا نفسك الأبية، وظهور التسفل إلا طبيعتك الغبية، فقد استبان البرهان والحجة، ووضع لسالكيها المحجة ألم تسمع إلى قوله تعالى: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} (الأنعام: 149) وأراك أنك ألقمت الحجر ولا تدري ما فعل بك بل تتمادى في تعبك وتتمرغ في غضبك، فعالج نفسك أيها المريض قبل الحلول إلى الحضيض.