قال نجم الدين في «التأويلات»
الإشارة في تحقيق الآيات أن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف: صنف منها الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني وجعل غذاءهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة، وصنف منها الحيوان الجسماني السفلي الكثيف الظلماني وجعل غذاءهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة، وصنف منها الإنسان المركب من الملكي الروحاني والحيواني الجسماني وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيهم الذكر ولجسمانيهم الطعام وخلقهم للعبادة والمعرفة، فمنهم ظالم لنفسه وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت حيوانيته أولئك كالأنعام بل هم أضل.
ومنهم مقتصد وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، فغذى كل واحدة منهما غذاءها، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوت عليهم، ومنهم سابق بالخيرات وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته، مبالغ في غذاء روحانيته وهو الذكر وقصر في غذاء روحانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه، واستوت قوى روحه، أولئك هم خير البرية، فكان كل الطعام حلالاً لهم كما كان حلالاً للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح.