فهرس الكتاب

الصفحة 892 من 3176

{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(160)}

النصر نوعان: معونة ومنع أي إن يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم كما فعل ذلك يوم بدر {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} فلا أحد يغلبكم {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} الخذلان القعود عن النصرة والإسلام للهلكة أي إن يترككم فلم ينصركم كما فعله يوم أحد

{فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم} استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ذاتاً وصفة بطريق المبالغة

{مِن بَعْدِهِ} أي من بعد خذلانه وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله، ولذا أمر بالتوكل عليه فقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه وآمنوا به من قبل ومن التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصراً غير الله تعالى ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعلمك شاهداً غيره.

وعن بعضهم قال: كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدّامي واحداً فسارعت حتى أدركته فإذا هو امرأة بيدها ركوة وعكازة تمشي على الرعدة فظننت أنها أعيت فأدخلت يدي في جيبي فأخرجت عشرين درهماً فقلت: خذي هذه وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري بها ثم ائتني الليلة حتى أصلح أمرك فقالت: بيدها هكذا في الهواء فإذا في كفها دنانير فقالت: أنت أخذت الدراهم من الجيب وأنا أخذت الدنانير من الغيب.

قال القشيري:

حقيقة النصر أن ينصرك على نفسك فإنها أعدى عدوك وهي أن يهدم عنك دواعي فتنتها بعواصم رحمته حتى ينفض جنود الشهوات بهجوم وفور المنازلات، فتبقى الولاية تعالى خالصة من رعونات الدواعي التي هي أوصاف البشرية وشهوات النفوس، وإن يخذلكم فالخذلان التخلية بينه وبين المعاصي فمن نصره قبض على يده عند الهم بتعاطي المكروه ومن خذله ألقى حبله على غاربه ووكله إلى سوء اختياره فيهيم على وجهه في فيافي البعد، فتارة يشرق غير محتشم، وتارة يغرب غير محترم، ومن سيبه الحق فلا آخذ ليده، ولا جابر لكسره {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} في وجدان الأمان من هذه الأخطار عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على الإجرام عند خلوص الالتجاء بالتبري من الحول والقوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت