فهرس الكتاب

الصفحة 1578 من 3176

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(122)}

قال أرباب الحقيقة: الموت بهوى النفس والحياة بمحبة الحق، وأيضاً الموت بالنكرة والحياة بالمعرفة وفرق بين حياة المعرفة وحياة البشرية، فأهل العموم حي بحياة البشرية لكنه كالميت في قبر قالبه لا يمكنه الخروج من ظلمات وجوده المجازي، وأهل الخصوص حي بحياة المعرفة فحياة البشرية تزول لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} (آل عمران: 185) بخلاف حياة المعرفة لقوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97)

واعلم: أن الحي الحقيقي الذي ما كان ميتاً ولا يموت أبداً هو الله تعالى وما سواه فهو ميت لأنه كان ميتاً في العدم وسيموت أيضاً.

-حكي - عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال: قصدت بيت المقدس فضلت الطريق فإذا بامرأة أقبلت إليّ، فقلت لها: يا غريبة أنت ضالة؟ فقالت: كيف يكون غريباً من يعرفه وكيف يكون ضالاً من يحبه؟ ثم قالت: خذ رأس عصاي وتقدم بين يدي فأخذت رأس عصاها وتقدمت بين يديها ست أقدام أو أقل أو أكثر، فإذا أنا بمسجد بيت المقدس فدلكت عيني وقلت لعل هذا غلط مني، فقالت: يا هذا سيرك سير الزاهدين وسيري سير العارفين فالزاهد سيار، والعارف طيار، ومتى يلحق السيار بالطيار، ثم غابت عني فلم أرها بعد ذلك، فظهر من هذه الحكاية أن للعارف نوراً يمشي به إلى حيث شاء، والجاهل يبقى في وادي الحيرة ولا يجد سبيلاً إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته، فكما أن الأعمى والبصير ليسا على سواء، فكذلك البصير الجاهل والعالم سواء كان جهله وعلمه في مرتبة الشريعة أو الطريقة، أو المعرفة أو الحقيقة، فالله تعالى باين بين أهل الحال، كما باين بين أهل المقام وعظم النور وسعته بالنسبة إلى فسحة القلب ومعرفته، فالقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف يشاء، ولذلك زين لأهل الإيمان وجوه الخير والطاعات، وزين لأهل الكفر صنوف الشر والسيئات، لكن العباد ليسوا بمجبورين فلهم اختيار في الخروج من الظلمات، فإذا لم يصرفوا استعدادتهم إلى ما خلقوا لأجله بقوا في ظلمات الطبيعة والنفس، هذا هو الكلام بالنسبة إلى ظاهر الحال.

وأما إن نظرت إلى إسناد الإحياء والجعل في الآية المذكورة إلى الله تعالى فمقتضى التوحيد أن الكل بيد الله، ولا تأثير إلا من عند الله، فإن وجدت خيراً فلحمد الله كثيراً فقد سبقت لك العناية وساعدك التوفيق، فرب تقليد يوصل إلى التحقيق والله الهادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت