{فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.
أما الأولى فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة إليه.
وأما الثانية فلأنه يحرم من الثواب المؤيد ويقع في العذاب المخلد.
{بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أي ليسوا أنصاركم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم لا غيره فأطيعوه واستغنوا به عن موالاتهم {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} فخصوه بالطاعة والاستعانة.
[لطيفة]
-حُكِيَ - عن الأصمعي أنه قال: إن فتى جميلاً خرج في سفر له فوقع في فلاة من الأرض وصاحبته امرأة فعشقته فقالت: أيها الفتى هل تحسن شيئاً من الشعر؟ قال: نعم قالت: قل فأنشد:
ولست من النساء ولسن مني ... ولا أبغي الفجور إلى الممات
فلا لا تطمعي فيما لدينا ... ولو قد طال سير في الفلاة
فإن الله يبصر فوق عرش ... ويغضب للفعال الموبقات
قالت: دعنا من شعرك هل تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم قالت: قل فقرأ قول الله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} (النور: 2)
قالت دعني من قراءتك هذه فرجعت وهي خائبة فانظر إلى حال الفتى وتوقيه عن شهوته كيف صبر عن المعصية {والله يحب الصابرين} .
ولذلك قال بعض المشايخ: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة وذلك لأن الزهد بعد الأربعين بارد لا يثمر نفعاً كثيراً.
ولا يغرنك هذا الخبر ويحملك على التكاسل فإن المرء لا يصل إلى حيث يسقط عنه الأمر والنهي، والغرض هو العبادة إلى أن يأتي اليقين فالشبان والشيوخ في باب التكليف متساوون وربما يتدارك في الشيخوخة ما لا يتدارك في الشاب.