{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} في الدنيا يعيش عيشاً طيباً لأنه إن كان موسراً فظاهر، وإن كان معسراً فيطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم في الآخرة كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله بخلاف الفاجر فإنه إن كان معسراً فظاهر، وإن كان موسراً فلا يدعه الحرص وخوف الفوت أن يتهنأ بعيشه
{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: ولنعطينهم في الآخرة أجرهم الخاص بهم بما كانوا يعملون من الصالحات.
وإنما أضيف إليه الأحسن للإشعار بكمال حسنه كما سبق في حق الصابرين.
ثم اعلم أن صلاحية أعمال العباد إنما تكون على قدر صدقهم في المعاملات وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهي، فيكون طيب حياتهم باحياء الله إياهم بحسب ذلك ولنجزينهم في الآخرة أجر كل طائفة منهم بأوفر ما كانوا يظنون أن يجازيهم الله على أعمالهم بيانه قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 40)
[لطيفة]
وعن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال لما مات أحمد: رأيته في المنام وهو يمشي ويتبختر في مشيه فقلت له: يا أخي أي: مشية هذه؟ قال: مشية الخدام في دار السلام فقلت له: ما فعل الله بك قال: غفر لي وألبسني نعلين من ذهب وقال: هذا جزاء قولك القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق وقال: يا أحمد قم حيث شئت فدخلت الجنة فإذا سفيان الثوري رحمه الله له جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة وهو يقرأ هذه الآية {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر: 74)
فقلت له: أي شيء خبر عبد الواحد الوراق رحمه الله قال: تركته في بحر من النور يراد به الملك الغفور،
فقلت: ما فعل بشر بن الحارث رحمه الله فقال: بخ بخ ومن مثل بشر تركته بين يدي الجليل والجليل سبحانه مقبل عليه وهو يقول كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وتنعم يا من لم يتنعم.
وقال بعض الأخيار: رأيت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي رحمه الله في المنام بعد وفاته وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقلت له: ما هذا البياض؟ فقال: شرف الطاعة، قلت: والتاج قال عز العلم فعلم من هذا المذكور أن من عمل صالحاً لا بد أن يصل إليه جزاء عمله، وأن الجزاء من جنس العمل وأنه يختلف بحسب اختلاف حال العامل.
فعلى العاقل المبادرة إلى الأعمال الصالحة والصبر على مشاق الطاعات إلى أن يجيء وعد الله تعالى.