والناس يصلح اسماً للمؤمنين والكافرين والمنافقين، والنداء تنبيه الغافلين أو إحضار الغائبين وتحريك الساكنين وتعريف الجاهلين وتفريغ المشغولين وتوجيه المعرضين وتهييج المحبين وتشويق المريدين.
قال بعض العارفين أقبل عليهم بالخطاب جبراً لما في العبادة من الكلفة بلذة الخطاب أي: يا مؤنس لا تنس أنسك بي قبل الولادة أو يا ابن النسيان تنبه ولا تنس حيث كنت نسياً منسياً ولم تك شيئاً مذكوراً فخلقتك وخمرتك طيناً ثم نطفة ثم دماً ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ولحوماً وعروقاً وجلوداً وأعصاباً ثم جنيناً ثم طفلاً ثم صبياً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً وأنت فيما بين ذلك تتمرغ في نعمتي وتسعى في خدمة غيري، تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شيء شيئاً مذكوراً كريماً مشكوراً علمك وقواك وأكرمك وأعطاك ما أعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن.
قال في «التيسير» :
وإذا كان الإنسان من النسيان ففيه عتاب وتلقين أما العتاب فكأنه يقول: أيها الناس قابلتم نعمنا بالكفران وأوامرنا بالعصيان.
وأما التلقين للعذر فكأنه يقول: أيها المخالف لنا ناسياً لا عامداً وساهياً لا قاصداً عذرناك لنسيانك وعفونا عنك لإيمانك.
{اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} يقول للكفار وحدوا ربكم ويقول للعاصين أطيعوا ربكم ويقول للمنافقين أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ويقول للمطيعين أثبتوا على طاعة ربكم، واللفظ يحتمل لهذه الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم كما في «تفسير أبي الليث» .
{الَّذِي خَلَقَكُمْ} صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه أطيعوا ربكم الذي خلقكم لخلقكم ولم تكونوا شيئاً.
والخلق اختراع الشيء على غير مثال سبق.