فصل]
قال بعض أهل المعرفة في قوله:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} إنما جعل الله إحياء المقتول في ذبح البقرة تنبيهاً لعبيده أن من أراد منهم إحياء قلبه لم يتأت له إلا بإماتة نفسه، فمن أماتها بأنواع الرياضات أحيا الله قلبه بأنوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيا بالحقيقة، وكما أن لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام بإذن الله وقال: قتلني فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول {وما أبرئ نفسي أن النفس لأمارة بالسوء}
فيجب علينا غاية الوجوب أن نتقيد بإحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية وإصلاح قلوبنا بالإصلاح الحقيقي وإخلاص أعمالنا بالإخلاص الحقيقي فإن المنظر الإلهي إنما هو القلوب والأعمال لا القصور والأموال كما ورد في الحديث «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم بل إلى قلوبكم وأعمالكم» فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر.
والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسي نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك إلا العالمون وما يعلمه إلا الكاملون.
وقد سئل بعض المشايخ عن الإسلام فقال: ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها.
قال السري السقطي: إن نفسي تطالبني مدة ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جوزة في دبس فما أطعمتها ورؤي رجل جالس في الهواء فقيل له: بمَ نلت هذا؟ قال: تركت الهوى فسخر لي الهواء.
وقيل لبعضهم إني أريد أن أحج على التجريد فقال: جرد أولاً قلبك من السهو، ونفسك عن اللهو، ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت.