ثم اعلم أن كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل أيها العبد في تدارك حالك وكن سخياً بمالك فإن لم يكن فبنفسك وإن كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يُرى أن إبراهيم عليه السلام كيف أعطى ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمن حتى تعجب الملائكة من سخاوته فأكرمه الله بالخلة قال الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} .
قال مالك بن دينار: خرجت إلى مكة فرأيت في الطريق شاباً إذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال: يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك، فلما أحرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبي فقال: يا شيخ وما تغني التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصي السالفة أخشى أن أقول لبيك فيقال لي لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك ولا أنظر إليك ثم مضى فما رأيته إلا بمنى وهو يقول: اللهم اغفر لي اللهم إن الناس قد ذبحوا وتقربوا إليك وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي فتقبلها مني ثم شهق شهقة وخر ميتاً اللهم عاملنا بكمال كرمك وأوصلنا إلى حضرتك العليا وحرمك.