{دَرَجَاتٍ} بدل من أجراً بدل الكل مبين لكمية التفضيل {مِنْهُ} صفة لدرجات دالة على فخامتها وجلالة قدرها أي درجات كائنة منه تعالى وهي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفاً، أو سبعمائة درجة وفي الحديث «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» ويجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك ضربه أسواطاً أي ضربات كأنه قيل فضلهم تفضلات {وَمَغْفِرَةً} بدل من أجرا بدل البعض لأن بعض الأجر ليس من باب المغفرة أي: مغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائر الحسنات التي لا يأتي بها القاعدون أيضاً حتى تعد من خصائصهم {وَرَحْمَةً} بدل الكل من أجراً
مثل درجات ويجوز أن يكون انتصابهما بإضمار فعلهما أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن الانتظام إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيداً لسلوك طريقة الإيهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير كما في قوله تعالى:
{وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} (هود: 58)
كأنه قيل فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يفهم كنهها وحيث كان تحقق هذا العنوان البعيد بينهما موهماً لحرمان القاعدين قيل {وكلا وعد الله الحسنى} ثم أريد تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة فقيل ما قيل ولله در شأن التنزيل وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر كما ينبئ عنه تقديم الأول وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما كأنه قيل فضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول والله سبحانه أعلم.
وقيل: المجاهدون الأولون من جاهد الكفار والآخرون من جاهد نفسه وعليه قوله عليه السلام: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»