وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة ذا جناحين يطير بهما حيث شاء مخضوبة قوادمه بالدماء»
قال الإمام المنذري: وكان جعفر قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤته، فأبدله الله بهما جناحين فمن أجل ذا سمي جعفر الطيار.
قال السهيلي: ما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين إنهما ليسا كما سبق إلى الوهم على مثل جناحي الطائر وريشه لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، وفي قوله عليه السلام: «إن الله خلق آدم على صورته» تشريف لها عظيم وحاش لله من التشبيه والتمثيل، ولكنها عبارة عن صورة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيها الملائكة، وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} (طه: 22)
فعبر عن العضد بالجناح توسعاً، وليس ثمة طيران، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخلق به إذن بوصف الجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة واحتجوا بقوله تعالى: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (فاطر: 1) فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل، فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر، ولا ورد أيضاً في بيانها خبر فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا إعمال الفكر في كيفيتها علماً، وكل امرئ قريب من معاينة ذلك فإما أن يكون من الذين {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30)
وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكة: {بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} (الأنعام؛ 93)
كذا في فتح القريب والله يهدي كل مريب.