{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ} أي: لأجل الناس {إِمَاماً} يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون فهو نبي في عصره ومقتدى لكافة الناس إلى قيام الساعة وقد
أنجز الله وعده فقال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (البقرة: 129) ونحو ذلك فلذلك اجتمعت أهل الأديان كلهم على تعظيمه وجميع أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون في آخر صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد قيل في سببه إنا لما قلنا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
يعني أن أولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الإمامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالماً من أولادك وغيرهم، وإنما ينال عهدي من كان بريئاً من الظلم لأن الإمام إنما هو لمنع الظلم فكيف يجوز أن يكون ظالماً وإن جاز فقد جاء المثل السائر «من استرعى الذئب الغنم ظلم» .
قال المعتزلة وفيه دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم أريد به الكافر والصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وإطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض.
وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها.
قال ابن الشيخ في «حواشيه» فيه بحث لأن مدلول الآية أن الظالم ما دام ظالماً لا تناله الإمامة لا أن من كان ظالماً في وقت ما من الأوقات ثم تاب منه لا ينال الإمامة.
والفرق بينهما أن الظلم الحالي يخل بالمقصود من نصب الإمام وهو إخلاء وجه الأرض من الظلم والفساد وحماية أموال الناس وأعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذي تاب عنه الظالم فإنه ليس بمخل للمقصود فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.