وقرىء «تُسقي» بضم التاء من أسقى { مُسَلَّمَةٌ } سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله:
أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه ... مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا
أو مخلصة اللون ، من سلم له كذا إذا خلص له ، لم يشب صفرتها شيء من الألوان { لاَّ شِيَةَ فِيهَا } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة ، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها . وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية ، إذا خلط بلونه لونًا آخر ، ومنه ثور موشى القوائم { جِئْتَ بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة ، وما بقي إشكال في أمرها { فَذَبَحُوهَا } أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها . وقوله: { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم ، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم ، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم ، وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها . وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل . وروي: أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر ، وكان برًا بوالديه ، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه ، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهبًا ، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة . فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة ، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات ، فذبحوا المخصوصة ، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخًا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة ، والنسخ قبل الفعل جائز . على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولًا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها ، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالًا له ، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم { فادرأتم } فاختلفتم واختصمتم في شأنها ، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا ، أي يدفعه ويزحمه . أو تدافعتم ، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض ، فدفع المطروح عليه الطارح . أو لأنّ الطرح في نفسه دفع . أو دفع بعضكم بعضًا عن البراءة واتهمه { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتومًا . فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟ قلت: وقد حكى ما كان مستقبلًا في وقت التدارؤ . كما حكى الحاضر في قوله: { باسط ذِرَاعَيْهِ } [ الكهف: 18 ] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ( ادّارأتم ) و ( فقلنا ) والضمير في { اضربوه } إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان ، وإمّا إلى القتيل لما دلّ عليه من قوله: ( ما كنتم تكتمون ) . { بِبَعْضِهَا } ببعض البقرة . واختلف في البعض الذي ضرب به ، فقيل: لسانها ، وقيل: فخذها اليمنى ، وقيل: عَجْبها ، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهوأصل الأذن ، وقيل: الأذن ، وقيل: البضعة بين الكتفين . والمعنى: فضربوه فحيي ، فحذف ذلك لدلالة قوله: { كذلك يُحْىِ الله الموتى } . وروي: أنهم لمّا ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دمًا ، وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ، ثم سقط ميتًا ، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك . { كذلك يُحْىِ الله الموتى } إما أن يكون خطابًا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة { وَيُرِيكُمْ ءاياته } ودلائله على أنه قادر على كل شيء { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تعملون على قضية عقولكم . وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث . وإما أن يكون خطابًا للمنكرين في زمن رسول الله A . فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد . وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب ، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم ، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على الفور ، من غير تفتيش وتكثير سؤال ، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة ، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين ، والشفقة على الأولاد ، وتجهيل الهازىء بما لا يعلم كنهه ، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء ، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرّب به ، وأن يختاره فتيّ السنِّ غير قحم ولا ضرع ، حسن اللون بريًا من العيوب يونق من ينظر إليه ، وأن يغالى بثمنه ، كما يروى عن عمر Bه: