فهرس الكتاب

الصفحة 1018 من 3341

{ وَمَا كَانَ هذا القرءان } افتراء { مِن دُونِ الله ولكن } كان { تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة ، لأنه معجز دونها فهو عيار عليها وشاهد لصحتها ، كقوله تعالى: { هُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [ فاطر: 31 ] . وقرىء: «ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب» على: ولكن هو تصديق وتفصيل . ومعنى وَمَا كَانَ أن يَفْتَرِى . وما صحّ وما استقام ، وكان محالًا أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفتري { وَتَفْصِيلَ الكتاب } وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع ، من قوله: { كتاب الله عَلَيْكُمْ } [ النساء: 24 ] . فإن قلت: بم اتصل قوله: { لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين } قلت: هو داخل في حيز الاستدراك . كأنه قال: ولكن كان تصديقًا وتفصيلًا منتفيًا عنه الريب كائنًا من رب العالمين . ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقًا من رب العالمين وتفصيلًا منه لا ريب في ذلك ، فيكون { مِن رَّبِّ العالمين } متعلقًا بتصديق وتفصيل ، أو يكون { لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراضًا ، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } بل أيقولون: اختلقه ، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم . أو إنكار لقولهم واستبعاد . والمعنيان متقاربان { قُلْ } إن كان الأمر كما تزعمون { فَأْتُواْ } أنتم على وجه الافتراء { بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } فأنتم مثلي في العربية والفصاحة . ومعنى { بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم . وقرىء: «بسورة مثله» على الإضافة ، أي: بسورة كتاب مثله { وادعوا } من دون الله { مَنِ استطعتم } من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله: يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله لا يقدر على ذلك أحد غيره ، فلا تستعينوه وحده ، ثم استعينوا بكل من دونه { إِن كُنتُمْ صادقين } أنه افتراء { بَلْ كَذَّبُواْ } بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن ، وفاجؤه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم ، كالناشيء على التقليد من الحشوية ، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه - وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة - أنكرها في أوّل وهلة ، واشمأز منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد ، لأنه لم يشعر قلبه إلاّ صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب . فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } ؟ قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ، تقليدًا للآباء . وكذبوه بعد التدبر ، تمردًا وعنادًا ، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به ، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي ، ورازوا قواهم في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله ، فكذبوا به بغيًا وحسدًا { كَذَلِكَ } أي مثل ذلك التكذيب { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم ، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت