فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 3341

ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ، كقولهم: ثوب أكياش؛ ولذلك رجع الضمير إليه مفردًا . وأمّا { فِى بُطُونِهَا } [ المؤمنون: 21 ] في سورة المؤمنين: فلأنّ معناه الجمع . ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان ، أحدهما: أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل ، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع كنعم ، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله:

في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ

وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم . وأنه في معنى الجمع . وقرىء: «نَسقيكم» بالفتح والضم ، وهو استئناف ، كأنه قيل: كيف العبرة ، فقيل نسقيكم { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ } أي يخلق الله اللبن وسيطًا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله . قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثًا ، وأوسطه لبنًا ، وأعلاه دمًا . والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ، فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، وتبقى الفرث في الكرش . فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل . وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب ، كتمييز اللبن من بين فرث ودم { سَآئِغًا } سهل المرور في الحلق ويقال: لم يغص أحد باللبن قط . وقرىء: «سيغًا» ، بالتشديد . و «سيغًا» ، بالتخفيف . كهين ولين . فإن قلت: أي فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها ، كقولك: أخذت من مال زيد ثوبًا . والثانية: لابتداء الغاية؛ لأنّ بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ ، فهو صلة لنسقيكم ، كقولك: سقيته من الحوض ، ويجوز أن يكون حالا من قوله { لَّبَنًا } مقدمًا عليه ، فيتعلق بمحذوف ، أي: كائنًا من بين فرث ودم . ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبنًا من بين فرث ودم كان صفة له ، وإنما قدم لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم . وقد احتج بعض من يرى أن المني طاهر على من جعله نجسًا ، لجريه في مسلك البول بهذه الآية ، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر ، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت