فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 3341

( أن ) في قوله { أَنِ اعبدوا الله } إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسر . والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر ، وكلاهما لا وجه له . أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير ، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله . ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا الله . وأما فعل الأمر ، فمسند إلى ضمير الله عزّ وجلّ . فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم ، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلًا من ما أمرتني به ، أو من الهاء في به ، وكلاهما غير مستقيم: لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه . ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله ، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال . وكذلك إذا جعلته بدلًا من الهاء لأنك لو أقمت ( أن اعبدوا الله ) مقام الهاء ، فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله ، لم يصح ، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته . فإن قلت: فكيف يصنع؟ قلت: يحمل فعل القول على معناه؛ لأن معنى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) . ما أمرتهم إلا بما أمرتني به ، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم . ويجوز أن تكون ( أن ) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلًا { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } رقيبًا كالشاهد على المشهود عليه ، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة ، وأنزلت عليهم من البينات ، وأرسلت إليهم من الرسل { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز } القوي القادر على الثواب والعقاب { الحكيم } الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب . فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: ( وإن تغفر لهم ) ؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم ، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت ، فقال: إن عذبتهم عدلت ، لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول ، بل متى كان الجرم أعظم جرمًا كان العفو عنه أحسن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت