النساء مأمورات أيضًا بغضّ الأبصار ، ولا يحلّ للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته ، وإن اشتهت غضّت بصرها رأسًا ، ولا تنظر من المرأة إلاّ إلى مثل ذلك . وغضها بصرها من الأجانب أصلًا أولى بها وأحسن . ومنه حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة Bها قالت:
( 747 ) كنت عند رسول الله A وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب - فدخل علينا فقال: احتجبا ، فقلنا: يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصر؟ قال: « أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ » فإن قلت: لم قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج؟ قلت: لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور ، والبلوى فيه أشدّ وأكثر ، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه ، الزينة: ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب ، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب ، فلا بأس بإبدائه للأجانب ، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، فلا تبديه إلاّ لهؤلاء المذكورين . وذكر الزينة دون مواقعها: للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر ، لأنّ هذا الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء ، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن ، فنهى عن إبداء الزين نفسها . ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع - بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر ، ثابت القدم في الحرمة ، شاهدًا على أن النساء حقهنّ أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها . فإن قلت: ما تقول في القراميل ، هل يحلّ نظر هؤلاء إليها؟ قلت: نعم . فإن قلت: أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها ، وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة؟ قلت: الأمر كما قلت ، ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي ، لأنه لا يقع إلاّ فوق اللباس ، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلًا عن هؤلاء . إلاّ إذا كان يصف لرقته فلا يحل النظر إليه ، فلا يحلّ النظر إلى القراميل واقعة عليه . فإن قلت: ما المراد بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله ، أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت: الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية ، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة: الوجه موقع الكحل في عينيه ، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه ، والغمرة في خديه ، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحناء . فإن قلت: لم سومح مطلقًا في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدًّا من مزاولة الأشياء بيديها ، ومن الحاجة إلى كشف وجهها ، خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح ، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها ، وخاصة الفقيرات منهنّ ، وهذا معنى قوله: { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } يعني إلاّ ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور ، وإنما سومح في الزينة الخفية ، أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك .