{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله ، كقوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } [ آل عمران: 161 ] ، { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } [ الأعراف: 89 ] ، { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } ابتداء غير قصاص { إِلا خَطَئًا } إلا على وجه الخطأ . فإن قلت: بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له ، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده . ويجوز أن يكون حالًا بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ . وأن يكون صفة للمصدر إلا قتلًا خطأ . والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد ، بأن يرمي كافرًا فيصيب مسلمًا ، أو يرمي شخصًا على أنه كافر فإذا هو مسلم . وقرىء: «خطاء» بالمد و «خطا» ، بوزن عمى - بتخفيف الهمزة - وروى:
( 297 ) أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهل لأمّه - أسلم وهاجر خوفًا من قومه إلى المدينة ، وذلك قبل هجرة رسول الله A ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع . فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ، وقال: أليس محمد يحثك على صلة الرحم ، انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك ، حتى نزل وذهب معهما ، فلما فسحا عن المدينة كتفاه ، وجلده كل واحد مائة جلدة . فقال للحارث: هذا أخي ، فمن أنت يا حارث؟ لله عليّ إن وجدتك خاليًا أن أقتلك ، وقدما به على أمه ، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد . ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم ، وأسلم الحارث وهاجر ، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله ، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله A فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه ، فنزلت { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فعليه تحرير رقبة . والتحرير: الإعتاق . والحر والعتيق: الكريم ، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد . ومنه: عتاق الخيل ، وعتاق الطير لكرامها . وحرّ الوجه: أكرم موضع منه . وقولهم للئيم عبد . وفلان عبد الفعل: أي لئيم الفعل . والرقبة: عبارة عن النسمة ، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسًا من الرقيق . والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء . وعن الحسن: لا تجزىء إلا رقبة قد صلت وصامت ، ولا تجزىء الصغيرة . وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار ، فاشترط الإيمان . وقيل: لما أخرج نفسًا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار ، لأنّ إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار { مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث ، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء ، يقضي منها الدين ، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثًا فهي لبيت المال ، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله A: