فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 3341

{ قَدْ نرى } ربما نرى ، ومعناه: كثرة الرؤية ، كقوله:

قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ ... { تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء . وكان رسول الله A يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ، ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل { فَلَنُوَلّيَنَّكَ } فلنعطينّك ولنمكننك من استقبالها ، من قولك: وليته كذا . إذا جعلته واليًا له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس { تَرْضَاهَا } تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته { شَطْرَ المسجد الحرام } نحوه . قال:

وَأَظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ ... وقرأ أبيّ: «تلقاء المسجد الحرام» . وعن البراء بن عازب:

( 67 ) قدم رسول الله A المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا ثم وجه إلى الكعبة وقيل:

( 68 ) كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين . ورسول الله A في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب ، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ، فسمى المسجد مسجد القبلتين . و { شَطْرَ المسجد } نصب على الظرف ، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد . وذكر المسجد الحرام دون الكعبة: دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين { لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق } أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلّي إلى القبلتين { يَعْمَلُونَ } قرىء بالياء والتاء { مَّا تَبِعُواْ } جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط . { بِكُلّ ءايَةٍ } بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ، ما تبعوا { قِبْلَتَكَ } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة ، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق { وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم . وقرىء: «بتابع قبلتهم» على الإضافة { وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم ، كما لا ترجى موافقتهم لك . وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس . أخبر D عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه ، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان ، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده . وقوله: { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله { وما أنت بتابع قبلتهم } كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير ، بمعنى: ولئن اتبعتم مثلًا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر { إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير . واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى ، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق . فإن قلت: كيف قال: ( وما أنت بتابع قبلتهم ) ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق ، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت