روي:
( 478 ) أنّ رسول الله A كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بعث إليه ليأتيه ، فلما دخل عليه قال: أهلكك حبّ اليهود . فقال: يا رسول الله بعثت إليك لتستغفر لي لا لتؤنبني وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ويصلّي عليه ، فلما مات دعاه ابنه حباب إلى جنازته ، فسأله عن اسمه فقال: أنت عبد الله ابن عبد الله . الحباب: اسم شيطان ، فلما همّ بالصلاة عليه قال له عمر: أتصلّي على عدوّ الله ، فنزلت وقيل: أراد أن يصلّي عليه فجذبه جبريل . فإن قلت: كيف جازت له تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه؟ قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له . وذلك
( 479 ) أنّ العباس Bه عم رسول الله A لما أخذ أسيرًا ببدر لم يجدوا له قميصًا وكان رجلًا طوالًا ، فكساه عبد الله قميصه .
( 480 ) وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد ولكنا نأذن لك ، فقال: لا ، إن لي في رسول الله A أسوة حسنة فشكر رسول الله A له ذلك ، وإجابة له إلى مسئلته إياه ، فقد كان E لا يردّ سائلًا ، وكان يتوفر على دواعي المروءة ويعمل بعادات الكرام ، وإكرامًا لابنه الرجل الصالح ، فقد روي: أنه قال له:
( 481 ) أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك ، وأن تقوم على قبره ، ولا يشمت به الأعداء ، وعلمًا بأن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره ، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان ، وليكون إلباسه إياه لطفًا لغيره ، فقد روي أنه قيل له:
( 482 ) لم وجهت إليه بقميصك وهو كافر؟ فقال: « إنّ قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا ، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب » فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله A وكذلك ترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف ، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك ، دعا المسلم إلى أن يتعطف على من واطأ قلبه لسانه ورآه حتمًا عليه . فإن قلت: فكيف جازت الصلاة عليه؟ قلت: لم يتقدم نهي عن الصلاة عليهم ، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم ، لما في ذلك من المصلحة . وعن ابن عباس Bه: ما أدري ما هذه الصلاة ، إلاّ أني أعلم أنّ رسول الله A لا يخادع { مَّاتَ } صفة لأحد . وإنما قيل: مات ، وماتوا بلفظ الماضي - والمعنى على الاستقبال - على تقدير الكون والوجود؛ لأنه كائن موجود لا محالة { أَنَّهُمْ كَفَرُواْ } تعليل للنهي ، وقد أعيد قوله: { وَلاَ تُعْجِبْكَ } لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده ، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه ، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به ، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه ، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه ، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه .