فهرس الكتاب

الصفحة 2824 من 3341

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ } [ كمن هو خالد في النار ] ؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ، ودخوله في حيزه ، وانخراطه في سلكه ، وهو قوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِه } فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار ، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار . فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار ، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم . ونظيره قول القائل:

أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الْكِرَامَ وَأَنْ ... أُورَثَ ذُودًا شَصَائِصًا نَبلًا

هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود ، مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله ، والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما أزنّ به فكأنه قال له: نعم مثلى يفرح بمرزأة الكرام وبأن يستبدل منهم ذودًا يقل طائلةُ وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار ، ومثل الجنة: صفة الجنة العجيبة الشأن ، وهو مبتدأ ، وخبره: كمن هو خالد . وقوله: فيها أنهار ، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها . ألا ترى إلى صحة قولك: التي فيها أنهار . ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي فيها أنهار ، وكأن قائلًا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار ، وأن يكون في موضع الحال ، أي: مستقرّة فيها أنهار ، وفي قراءة علي Bه «أمثال الجنة» أي: ما صفاتها كصفات النار . وقرىء: «أسن» يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه . وأنشد ليزيد بن معاوية:

لَقَدْ سَقَتْنِي رُضَابًا غَيْرَ ذِي أَسنٍ ... كَالمِسْكِ فُتَّ عَلَى مَاءِ الْعَنَاقِيدِ

{ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } كما تتغير ألبان الدنيا ، فلا يعود قارصًا ولا حاذرًا . ولا ما يكره من الطعوم «لذة» تأنيث لذّ ، وهو اللذيذ ، أو وصف بمصدر . وقرىء بالحركات الثلاث ، فالجر على صفة الخمر ، والرفع على صفة الأنهار ، والنصب على العلة ، أي: لأجل لذة الشاربين . والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص ، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ، ولا آفة من آفات الخمر { مُّصَفًّى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره { مَآءً حَمِيمًا } قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم ، وانمازت فروة رؤوسهم ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت