فهرس الكتاب

الصفحة 2248 من 3341

{ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم؛ لأنّ من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها ، وتعتذرون للصانع إذا خطيء في بعض ما ينشئه بقولكم: أوّل الغزو أخرق ، وتسمون الماهر في صناعته معاودًا ، تعنون أنه عاودها كرّة بعد أخرى؛ حتى مرن عليها وهانت عليه . فإن قلت: لم ذكر الضمير في قوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } والمراد به الإعادة؟ قلت: معناه: وأن يعيده أهون عليه . فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } وقدّمت في قوله: { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } [ مريم: 21 ] ؟ قلت: هناك قصد الاختصاص وهو محزه ، فقيل: هو عليّ هين ، وإن كان مستصعبًا عندكم أن يولد بين همّ وعاقر؛ وأما ههنا فلا معنى للاختصاص ، كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أنّ الإعادة أسهل من الابتداء؛ فلو قدمت الصلة لتغير المعنى . فإن قلت: ما بال الإعادة استعظمت في قوله: { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ } حتى كأنها فضلت على قيام السموات والأرض بأمره ، ثم هوّنت بعد ذلك؟ قلت: الإعادة في نفسها عظيمة ، ولكنها هوّنت بالقياس إلى الإنشاء . وقيل الضمير في عليه للخلق . ومعناه: أنّ البعث أهون على الخلق من الإنشاء ، لأن تكوينه في حدّ الاستحكام ، والتمام أهون عليه وأقل تعبًا وكبدًا ، من أن يتنقل في أحوال ويندرج فيها إلى أن يبلغ ذلك الحدّ . وقيل: الأهون بمعنى الهين . ووجه آخر: وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله ، والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بدّ له من فعله ، لأنه لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب ، والأفعال: إما محال والمحال ممتنع أصلًا خارج عن المقدور ، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح ، وهو رديف المحال؛ لأنّ الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة . وإما تفضل والتفضل حالة بين بين ، للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله . وإما واجب لا بدّ من فعله ، ولا سبيل إلى الإخلال به ، فكان الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول . فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب ، كانت أبعد الأفعال من الامتناع . وإذا كانت أبعدها من الامتناع ، كانت أدخلها في التأني والتسهل ، فكانت أهون منها . وإذا كانت أهون منها كانت أهون من الإنشاء { وَلَهُ المثل الأعلى } أي الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به . ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل ، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ، ويدل عليه قوله تعالى: { وَهُوَ العزيز الحكيم } أي القاهر لكل مقدور { الحكيم } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه . وعن مجاهد { المثل الأعلى } قول لا إله إلا الله ، ومعناه: وله الوصف الأعلى الذي هو الوصف بالوحدانية . ويعضده قوله تعالى: { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ الروم: 28 ] وقال الزجاج: { وَلَهُ المثل الأعلى فِى السماوات والأرض } أي: قوله تعالى: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل . يريد: التفسير الأوّل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت