فهرس الكتاب

الصفحة 3063 من 3341

أرادوا بقولهم: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم . فقال الله عزّ وجلّ: قالوا ذلك { والله يَعْلَمُ } أن الأمر كما يدل عليه قولهم: إنك لرسول الله ، والله يشهد أنهم لكاذبون في قولهم: نشهد؛ وادعائهم فيه المواطأة . أو إنهم لكاذبون فيه ، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة؛ فهم كاذبون في تسميته شهادة . أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم: لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم: { إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه . فإن قلت: أي فائدة في قوله تعالى: { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } ؟ قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون ، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب؛ فوسط بينهما قوله: { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } ؟ ليميط هذا الإيهام { اتخذوا أيمانهم جُنَّةً } يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأنّ الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد ، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله ، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى . وبه استشهد أبو حنيفة C على أن «أشهد» يمين . ويجوز أن يكون وصفًا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان . وقرأ الحسن البصري: إيمانهم ، أي: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم . ويعضده قوله تعالى: { ذلك بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا } . { سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله . وفي { سَآءَ } معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك } إشارة إلى قوله: { سَآء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا ( ب ) سبب ( أنهم آمنوا ثم كفروا ) أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان ، أي: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا { فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } فجسروا على كل عظيمة . فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى قوله: { ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } ؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه ، أحدها: آمنوا ، أي: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقًا فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات . ونحوه قوله تعالى: { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } [ التوبة: 74 ] أي: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا . ونحوه قوله تعالى: { لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } [ التوبة: 66 ] والثاني آمنوا: أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى: { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ } [ البقرة: 14 ] إلى قوله تعالى: { إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون } [ البقرة: 14 ] والثالث: أن يراد أهل الردة منهم . وقرىء: «فطبع على قلوبهم» ، وقرأ زيد بن علي: «فطبع الله» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت