فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 3341

{ والصابئون } رفع على الابتداء وخبره محذوف ، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها ، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا ، والصابئون كذلك ، وأنشد سيبويه شاهدًا له:

وإلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِ

أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك ، فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها؟ قلت: لا يصحّ ذلك قبل الفراغ من الخبر ، لا تقول: إن زيدًا وعمرو منطلقان . فإن قلت لم لا يصحّ والنية به التأخير ، فكأنك قلت: إن زيدًا منطلق وعمرو؟ قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفًا على محل إن واسمها ، والعامل في محلهما هو الابتداء ، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها ( إن ) في عملها؛ فلو رفعت الصابئون المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين . فإن قلت: فقوله والصابئون معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ . . . } الخ ولا محل لها ، كما لا محل للتي عطفت عليها ، فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة ، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح ، فما الظنّ بغيرهم . وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالًا وأشدّهم غيًا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها ، أي خرجوا ، كما أن الشاعر قدم قوله: ( وأنتم ) تنبيهًا على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه ، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو ( بغاة ) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم ، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدمًا فإن قلت: فلو قيل: والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلًا . قلت: لو قيل: هكذا لم يكن من التقديم في شيء ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه ، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه . ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام ، فإن قلت: كيف قال: { الذين آمنوا } ثم قال: { مَنْ ءامَنَ } ؟ قلت: فيه وجهان ، أحدهما: أن يراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن . من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه . فإن قلت: ما محل من آمن قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن ، وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه ، أو من المعطوف عليه . فإن قلت: فأين الراجع إلى اسم إن؟ قلت: هو محذوف تقديره من آمن منهم ، كما جاء في موضع آخر . وقرىء: «والصابيون» ، بياء صريحة ، وهو من تخفيف الهمزة ، كقراءة من قرأ: «يستهزيون» . «والصابون» : وهو من صبوت ، لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع . وفي قراءة أبيّ Bه: «والصابئين» ، بالنصب . وبها قرأ ابن كثير . وقرأ عبد الله: «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت