فهرس الكتاب

الصفحة 2729 من 3341

فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع ، ثم أردفه قوله: { وَلَمَّا جَاءَهُمُ الحق قَالُواْ هذا سِحْرٌ } فما طريقه هذا النظم ومؤداه؟ قلت: المراد بالتمتيع ما هو سبب له ، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته ، فقال: بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين ، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه ، ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: ولما جاءهم الحق جاؤوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها: وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ، ومكابرة الرسول ، ومعاداته ، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه ، والإصرار على أفعال الكفرة والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل زمانه بقولهم: { لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم ، قرىء «على رجل» بسكون الجيم من القريتين: من إحدى القريتين ، كقوله تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن: 22 ] أي من أحدهما . والقريتان: مكة والطائف . وقيل: من رجلي القريتين ، وهما: الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ، عن ابن عباس . وعن مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل . وعن قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي ، وكان الوليد يقول: لو كان حقًا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن عليّ أو على أبي مسعود الثقفي ، وأبو مسعود: كنية عروة بن مسعود ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا ، فلما علموا بتكرير الله الحجج أن الرسل لم يكونوا إلا رجالًا من أهل القرى ، جاؤوا بالإنكار من وجه آخر ، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين ، وقولهم: هذا القرآن ذكر له على وجه الاستهانة به ، وأرادوا بعظم الرجل: رياسته وتقدّمه في الدنيا ، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت