فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 3341

وصف الله شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين ، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا ، وكذلك فعل في قوله: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } [ البقرة: 96 ] ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ . وعن النبيّ A:

( 362 ) "ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله"وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين { بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَانًا } أي علماء وعبادًا { وَإِنَّهُمْ } قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم ، واليهود على خلاف ذلك . وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين ، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني . ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن ، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ Bه أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده -: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها ، فقرأها إلى قوله: { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } [ مريم: 34 ] وقرأ سورة طه إلى قوله: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } [ طه: 9 ] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله A وهم سبعون رجلًا حين قرأ عليهم رسول الله A سورة يس . فبكوا . فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } ؟ قلت: بعداوة ومودّة ، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها ، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات ، وأدناها وجودًا ، وأسهلها حصولًا . ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت ، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب . فإن قلت: ما معنى قوله: { تَفِيضُ مِنَ الدمع } قلت: معناه تمتلىء من الدمع حتى تفيض ، لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الإمتلاء ، وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها ، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعًا فإن قلت: أي فرق بين من ومن في قوله: { مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } ؟ قلت الأولى لابتداء الغاية ، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه . والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا . وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق ، فأبكاهم وبلغ منهم ، فكيف إذا عرفوه كله وقرؤا القرآن وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء «ترى أعينهم» على البناء للمفعول { رَبَّنَا ءامَنَّا } المراد به إنشاء الإيمان ، والدخول فيه { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } مع أمّة محمد A الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت