فهرس الكتاب

الصفحة 2116 من 3341

{ جَامِدَةً } من جمد في مكانه إذا لم يبرح . تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب ، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد { وَهِىَ تَمُرُّ } مرًّا حثيثًا كما يمر السحاب . وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحرّكت لا تكاد تتبين حركتها ، كما قال النابغة في وصف جيش:

بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ ... وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تَهَمْلَجُ

{ صُنْعَ الله } من المصادر المؤكدة ، كقوله: { وَعَدَ الله } [ النساء: 95 ] . و { صِبْغَةَ الله } [ البقرة: 138 ] إلا أن مؤكده محذوف ، وهو الناصب ليوم ينفخ ، والمعنى: ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين ، ثم قال: صنع الله ، يريد به: الإثابة والمعاقبة . وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب ، حيث قال: صنع الله { الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ } يعني أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب: من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها ، وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه ، فيكافئهم على حسب ذلك . ثم لخص ذلك بقوله: { مَن جآءَ بالحسنة } إلى آخر الآيتين ، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه وترتيبه ، ومكانة إضماده ، ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ إفراغًا واحدًا ولأمر مّا أعجز القوي وأخرس الشقاشق . ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام ، جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان . ألا ترى إلى قوله: { صُنْعَ الله } ، و { صِبْغَةَ الله } [ البقرة: 138 ] ، و { وَعَدَ الله } [ النساء: 95 ] و { فِطْرَةَ الله } [ الروم: 30 ] : بعدما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم ، كيف تلاها بقوله: { الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ } ، { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً } [ البقرة: 138 ] { لا يخلف الله الميعاد } [ الزمر: 20 ] { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } [ الروم: 30 ] وقرىء: «تفعلون» ، على الخطاب . { فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا } يريد الإضعاف وأنّ العمل يتقضى والثواب يدوم ، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد . وقيل: فله خير منها ، أي: له خير حاصل من جهتها وهو الجنة ، وعن ابن عباس؛ الحسنة كلمة الشهادة . وقرىء: { يَوْمَئِذٍ } مفتوحًا مع الإضافة؛ لأنه أضيف إلى غير متمكن . ومنصوبًا مع تنوين فزع . فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟ قلت: الفزع الأوّل: هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ ، من رعب وهيبة ، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به؛ كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كان ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية . وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب . فإن قلت: فمن قرأ { مِّن فَزَعٍ } بالتنوين ما معناه؟ قلت: يحتمل معنيين . من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأمّا ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم ، فلا يخلون منه؛ لأن البشرية تقتضي ذلك . وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه . ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف: وهو خوف النار . أمن: يعدي بالجار وبنفسه ، كقوله تعالى: { أفأمنوا مَكْرَ الله } [ الأعراف: 99 ] . وقيل: السيئة: الإشراك . يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة ، فكأنه قيل: فكبوا في النار ، كقوله تعالى: { فَكُبْكِبُواْ فِيهَا } [ الشعراء: 94 ] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانًا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين { هَلْ تُجْزَوْنَ } يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت