لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميمًا للبيان . ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ، ورفع الأستار عن الحقائق ، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق ، والمتوهم في معرض المتيقن ، والغائب كأنه مشاهد . وفيه تبكيت للخصم الألد ، وقمع لسورة الجامح الأبيّ ، ولأمر مّا أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله ، وفشت في كلام رسول الله A وكلام الأنبياء والحكماء . قال الله تعالى: { وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } [ العنكبوت: 43 ] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال . والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل ، وهو النظير . يقال: مثل ومثل ومثيل ، كشبه وشبه وشبيه . ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل . ولم يضربوا مثلًا ، ولا رأوه أهلا للتسيير ، ولا جديرًا بالتداول والقبول ، إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه . ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير . فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا ، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارًا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام ، للحال أو الصفة أو القصة ، إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارًا . وكذلك قوله: { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } [ الرعد: 35 ] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة . ثم أخذ في بيان عجائبها . { وَلِلَّهِ المثل الاعلى } [ النحل: 60 ] : أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة . { مَثَلُهُمْ فِى التوراة } [ الفتح: 29 ] أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه . ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر ، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن . فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين ، كقوله: { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة: 69 ] والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين ، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة ، وتكاثر وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالًا بصلته ، حقيق بالتخفيف ، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين . والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون . وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة . ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع ، والواحد فيهن واحد . أو قصد جنس المستوقدين . أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارًا . على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد؛ إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ونحوه قوله: { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَارًا }