فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 3341

لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي A وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه ، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق؛ فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب . وفيه دليلان على إثبات النبوّة: صحة كون المتحدي به معجزًا ، والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله . فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، فهلا جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك . قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم ، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام . والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكمًا به . فإن قلت: لم عبر عن الإتيان بالفعل وأي فائدة في تركه إليه؟ قلت: لأنه فعل من الأفعال . تقول: أتيت فلانًا . فيقال لك: نعم ما فعلت . والفائدة فيه أنه جار مجري الكناية التي تعطيك اختصارًا ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه . ألا ترى أنّ الرجل يقول: ضربت زيدًا في موضع كذا على صفة كذا ، وشتمته ونكلت به ، ويعد كيفيات وأفعالًا ، فتقول: بئسما فعلت . ولو ذكرت ما أنبته عنه ، لطال عليك ، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل ، لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله . ولن تأتوا بسورة من مثله . فإن قلت: { وَلَن تَفْعَلُواْ } ما محلها؟ قلت: لا محل لها لأنها جملة اعتراضية . فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ قلت: «لا» و «لن» أختان في نفي المستقبل ، إلا أن في «لن» توكيدًا وتشديدًا . تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا ، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا؛ كما تفعل في: أنا مقيم ، وإني مقيم ، وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونًا . وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل: حرف مقتضب لتأكيد نفي المستقبل . فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه ، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال ، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددًا من الذابين عنه ، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة . فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله A ؛ وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار؛ فقيل لهم: إن استبتم العجز فاتركوا العناد؛ فوضع { فاتقوا النار } موضعه ، لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث أنه من نتائجه؛ لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة . ونظيره أن يقول الملك لحشمه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي . يريد: فأطيعوني واتبعوا أمري ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط . وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة . وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته ، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت