فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 3341

{ فَصْلٌ } عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه ، وأصله: فصل نفسه ، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل . وقيل: فصل عن البلد فصولًا . ويجوزأن يكون: فصله فصلًا ، وفصل فصولًا كوقف وصدّ ونحوهما . والمعنى: انفصل عن بلده { بالجنود } روي أنه قال لقومه: لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ، ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها ، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ . فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفًا ، وكان الوقت قيظًا وسلكوا مفازة ، فسألوا أن يجري الله لهم نهرًا ، ف { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم } بما اقترحتموه من النهر { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه { فَلَيْسَ مِنّي } فليس بمتصل بي ومتحد معي ، من قولهم: فلان مني ، كأنه بعضه؛ لاختلاطهما واتحادهما . ويجوز أن يراد فليس من جملتي وأشياعي { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ومن لم يذقه ، من طعم الشيء ، إذا ذاقه . ومنه طِعم الشيء ، لمذاقه . قال:

وَإنْ شِئْت لَمْ أطْعَمْ نَقَاخًا وَلاَ بَرْدَا ... ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم . ويقال: ما ذقت غماضًا . ونحوه من الابتلاء: ما ابتلى الله به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعًا ، بل هو أشد منه وأصعب . وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي . وإن كان نبيًا كما يروي عن بعضهم فبالوحي . وقرىء «بنهر» بالسكون . فإن قلت: ممَّ استثنى قوله: { إِلاَّ مَنِ اغترف } ؟ قلت: من قوله: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } والجملة الثانية في حكم المتأخرة ، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم { والصابئون } [ المائدة: 69 ] في قوله: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون } ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع ، والدليل عليه قوله: { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } أي فكرعوا فيه { إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمْ } وقرىء: «غَرفة» بالفتح بمعنى المصدر ، وبالضم بمعنى المغروف . وقرأ أبيّ والأعمش: «إلا قليل» ، بالرفع . وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبًا ، وهو باب جليل من علم العربية . فلما كان معنى { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى فلم يطيعوه ، حمل عليه ، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم . ونحوه قول الفرزدق:

.. . . . . . . . . . . لمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إلاّ مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ

كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف . وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا { والذين ءامَنُواْ } يعني القليل { قَالَ الذين يَظُنُّونَ } يعني الخُلّص منهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاه الله وأيقنوه . أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله ، والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة . وقيل: الضمير في { قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا } للكثير الذين انخذلوا ، والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه ، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما . يظهر أولئك عذرهم في الانخذال ، ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به . وروي: أنّ الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته . والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت