روي:
( 288 ) أن بشرًا المنافق خاصم يهوديًا فدعاه اليهودي إلى رسول الله A ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله A ، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب . فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله فلم يرض بقضائه . فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم . فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت . وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل ، فقال له رسول الله A: «أنت الفاروق» . والطاغوت: كعب بن الأشرف ، سماه الله ( طاغوتًا ) لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله A . أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه . أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله A على التحاكم إليه تحاكمًا إلى الشيطان ، بدليل قوله: { وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ } . وقرىء { بِمَا أنزَلَ . . . وَمَا أَنَزلَ } على البناء للفاعل . وقرأ عباس بن الفضل: «أن يكفروا بها» ، ذهابًا بالطاغوت إلى الجمع ، كقوله: { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم } [ البقرة: 257 ] وقرأ الحسن «تعالوا» بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفًا ، كما قالوا: ما باليت به بالة ، وأصلها بالية كعافية ، وكما قال الكسائي في ( آية ) إن أصلها ( آيية ) فاعلة ، فحذفت اللام ، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت ، فصار ( تعالوا ) ، نحو: تقدموا . ومنه قول أهل مكة: تعالي ، بكسر اللام للمرأة ، وفي شعر الحمداني:
تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الهمُومَ تَعَالِي ... والوجه فتح اللام { فَكَيْفَ } يكون حالهم ، وكيف يصنعون؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمرًا ولا يوردونه { إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم { ثُمَّ جَاؤك } حين يصابون فيعتذرون إليك { يَحْلِفُونَ } ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إِلاَّ إِحْسَانًا } لا إساءة { وَتَوْفِيقًا } بين الخصمين ، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطًا لحكمك ، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم ، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم . ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله . وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به { فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ } لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه { وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار .