فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 3341

قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتًا فوقتًا ، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون ، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر - التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ - إلا لعبًا وتلهيًا واستسخارًا والذكر: هو الطائفة النازلة من القرآن . وقرأ ابن أبي عبلة { مُّحْدَثٍ } بالرفع صفة على المحل . قوله: { وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } حالان مترادفتان أو متداخلتان ومن قرأ: { لاَهِيَةً } بالرفع فالحال واحدة ، لأن { لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } خبر بعد خبر ، لقوله: { وَهُمْ } واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل ، يعني أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلًا ، وثبتوا على رأس غفلتهم ، وذهولهم عن التأمّل والتبصر بقلوبهم [ ( وأسروا النجوى ) ] فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية ، فما معنى قوله: { وَأَسَرُّواْ } ؟ قلت: معناه وبالغوا في إخفائها . أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون ، أبدل { الذين ظَلَمُواْ } من واو وأسرّوا ، إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به . أو جاء على لغة من قال «أكلوني البراغيث» أو هو منصوب المحل على الذم . أو هو مبتدأ خبره { وَأَسَرُّواْ النجوى } قدّم عليه . والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى . فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلًا على فعلهم بأنه ظلم { هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } هذا الكلام كله في محل النصب بدلًا من النجوى ، أي: وأسروا هذا الحديث . ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمرًا: اعتقدوا أنّ رسول الله A لا يكون إلا ملكًا ، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر ، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر . فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟ قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم ، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم ، ويتجاهدوا في طيّ سرّهم عنهم ما أمكن واستطيع . ومنه قول الناس:

( 692 ) "استعينوا على حوائجكم بالكتمان"وَيُرفع إلى رسول الله A . ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله A والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقًا فأخبرونا بما أسررنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت