فهرس الكتاب

الصفحة 3064 من 3341

كان عبد الله بن أبيّ رجلًا جسيمًا صبيحًا ، فصيحًا ، ذلق اللسان وقوم من المنافقين في مثل صفته ، وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله A فيستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن؛ فكان النبي A ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم . فإن قلت: ما معنى قوله: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } ؟ قلت: شبهوا في استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير - بالخشب المسندة إلى الحائط؛ ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكًا فارغًا غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع . ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان؛ شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم؛ والخطاب في { رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ } لرسول الله ، أو لكل من يخاطب . وقرىء: «يُسمع» على البناء للمفعول ، وموضع { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ } رفع على هم كأنهم خشب . أو هو كلام مستأنف لا محل له . وقرىء: «خشب» جمع خشبة ، كبدنة وبدن . وخشب ، كثمرة وثمر . وخشب ، كمدرة ومدر ، وهي في قراءة ابن عباس . وعن اليزيدي أنه قال في { خُشُبٌ } : جمع خشباء ، والخشباء: الخشبة التي دعر جوفها: شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم { عَلَيْهِمْ } ثاني مفعولي يحسبون ، أي: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب: إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة: ظنوه إيقاعًا بهم . وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم . ومنه أخذ الأخطل:

مَا زِلْتَ تَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُم ... خَيْلاَ تَكِرُّ عَلَيْهِمُ وَرِجَالاَ

يوقف على { عَلَيْهِمْ } ويبتدأ { هُمُ العدو } أي الكاملون في العداوة: لأنّ أعدى الأعداء العدوّ المداجي ، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي { فاحذرهم } ولا تغترر بظاهرهم . ويجوز أن يكون { هُمُ العدو } المفعول الثاني ، كما لو طرحت الضمير . فإن قلت: فحقه أن يقال: هي العدوّ . قلت: منظور فيه إلى الخبر ، كما ذكر في { هذا رَبّى } [ الأنعام: 76 ] وأن يقدر مضاف محذوف على: يحسبون كل أهل صحية { قاتلهم الله } دعاء عليهم ، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم . أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يعدلون عن الحق تعجبًا من جهلهم وضلالتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت