فهرس الكتاب

الصفحة 1878 من 3341

القذف يكون بالزنى وبغيره ، والذي دلّ على أن المراد قذفهنّ بالزنى شيئان ، أحدهما: ذكر المحصنات عقيب الزواني . والثاني: اشتراط أربعة شهداء؛ لأنّ القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان ، والقذف بالزنى أن يقول الحرّ العاقل البالغ لمحصنة: يا زانية ، أو لمحصن: يا زاني ، يا ابن الزاني ، يا ابن الزانية ، يا ولد الزنا ، لست لأبيك ، لست لرشدة . والقذف بغير الزنا أن يقول: يا آكل الربا ، يا شارب الخمر ، يا يهودي ، يا مجوسي ، يا فاسق ، يا خبيث ، يا ماص بظر أمّه . فعليه التعزير ، ولا يبلغ به أدنى حدّ العبيد وهو أربعون ، بل ينقص منه . وقال أبو يوسف: يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون . وقال: للإمام أن يعزر إلى المائة . وشروط إحصان القذف خمسة: الحرية ، والبلوغ ، والعقل ، والإسلام ، والعفة . وقرىء: «بأربعة شهداء» بالتنوين . وشهداء صفة . فإن قلت: كيف يشهدون مجتمعين أو متفرّقين؟ قلت: الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه Bهم أن يحضروا في مجلس واحد ، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة . وعند الشافعي Bه: يجوز أن يحضروا متفرقين . فإن قلت: هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدًا منهم؟ قلت: يجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي . فإن قلت: كيف يجلد القاذف؟ قلت: كما جلد الزاني ، إلاّ أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلاّ ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو . والقاذفة أيضًا كالزانية ، وأشدّ الضرب ضرب التعزير ، ثم ضرب الزنا ، ثم ضرب شرب الخمر ، ثم ضرب القاذف . قالوا: لأنّ سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلاّ أنه عوقب صيانة للأعراض وردعًا عن هتكها . فإن قلت: فإذا لم يكن المقذوف محصنًا؟ قلت: يعزر القاذف ولا يحدّ ، إلاّ أن يكون المقذوف معروفًا بما قذف به فلا حدّ ولا تعزير . ردّ شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة Bه باستيفاء الحدّ ، فإذا شهد قبل الحدّ أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته ، فإذا استوفى لم تقبل شهادته أبدًا وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء . وعند الشافعي Bه: يتعلق ردّ شهادته بنفس القذف ، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه ، عاد مقبول الشهادة ، وكلاهما متمسك بالآية ، فأبو حنيفة Bه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي: الجلد ، وردّ الشهادة عقيب الجلد على التأبيد ، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدّة حياتهم ، وجعل قوله: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } كلامًا مستأنفًا غير داخل في حيز جزاء الشرط ، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية . و { إِلاَّ الذين تَابُواْ } استثناء من الفاسقين . ويدلّ عليه قوله: { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والشافعي Bه جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا ، غير أنه صرف الأبد إلى مدّة كونه قاذفًا ، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف وجعل الاستثناء متعلقًا بالجملة الثانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت