فإن قلت: { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ } معطوف على ماذا؟ قلت: على ( الكتاب ) في قوله: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ ( أن ) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال: ويجوز أن يكون معطوفًا على ( بالحق ) أي أنزلناه بالحق وبأن احكم { أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } أن يضلوك عنه ويستزلوك: وذلك:
( 351 ) أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه ، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود ، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا ، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونحن نؤمن بك ونصدّقك ، فأبى ذلك رسول الله A ، فنزلت { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه ، فوضع { بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } موضع ذلك وأرادأنّ لهم ذنوبًا جمة كثيرة العدد ، وأنّ هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها ، وهذا الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه . ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد:
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا ... أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام ، كأنه قال: نفسًا كبيرة ، ونفسًا أيّ نفس ، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية ، فكذلك إذا صرح بالبعض { لفَاَسِقُونَ } لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه ، يعني أنّ التولي عن حكم الله من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر .