فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 3341

{ هُنَالِكَ } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت . فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان . لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها ، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله ، وإن كانت عاقرًا عجوزًا فقد كانت أختها كذلك . وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر { ذُرِّيَّةَ } ولدًا . والذرية يقع على الواحد والجمع { سَمِيعُ الدعاء } مجيبه . قرىء: «فناداه الملائكة» . وقيل: ناداه جبريل عليه السلام ، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل { أَنَّ الله يُبَشّركَ } بالفتح على بأن الله ، وبالكسر على إرادة القول . أو لأن النداء نوع من القول . وقرىء: «يبشرك» ، «ويبشرك» ، من بشره وأبشره . «ويَبْشُرك» بفتح الياء من بشره . ويحيى إن كان أعجميًا وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى ، وإن كان عربيًا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر { مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } مصدّقًا بعيسى مؤمنًا به . قيل هو أول من آمن به ، وسمي عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها ، وهي قوله: ( كن ) من غير سبب آخر . وقيل: مصدّقًا بكلمة من الله ، مؤمنًا بكتاب منه . وسمي الكتاب كلمة ، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته . والسيد: الذي يسود قومه ، أي يفوقهم في الشرف . وكان يحيى فائقًا لقومه وفائقًا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط ، ويالها من سيادة . والحصور: الذي لا يقرب النساء حصرًا لنفسه أي منعًا لها من الشهوات . وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر . قال الأخطل:

وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ... لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ

فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو . وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت { مّنَ الصالحين } ناشئًا من الصالحين ، لأنه كان من أصلاب الأنبياء ، أو كائنًا من جملة الصالحين كقوله: { وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين } [ البقرة: 130 ] . { أنى يَكُونُ لِي غلام } استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم . { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } كقولهم: أدركته السنّ العالية . والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني ، وكانت له تسع وتسعون سنة ، ولامرأته ثمان وتسعون { كذلك } أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل ، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر ، أو كذلك الله مبتدأ وخبر ، أي على نحو هذه الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات { ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر { قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ } تقدر على تكليم الناس { ثلاثة أَيَّامٍ } وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة ، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ، ولذلك قال: { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار } يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس ، وهي من الآيات الباهرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت