فهرس الكتاب

الصفحة 2198 من 3341

فإن قلت: فما تصنع بقوله: { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } ؟ قلت: هي حكاية كلام حكاه إبراهيم عليه السلام لقومه ، كما يحكي رسولنا A كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن فإن قلت: فإذا كانت خطابًا لقريش فما وجه توسطهما بين طرفي قصة إبراهيم والجملة؟ أو الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه؟ ألا تراك لا تقول: مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟ قلت: إيراد قصة إبراهيم ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله A ، وأن تكون مسلاة له ومتفرجا بأنّ أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوّا بنحو مامني به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان ، فاعترض بقوله: وإن تكذبوا ، على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدًا فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها؛ لأن قوله: { فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } لا بد من تناوله لأمّه إبراهيم ، وهو كما ترى اعتراض واقع متصل ، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها ، لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله ، وهدم الشرك وتوهين قواعده ، وصفة قدرة الله وسلطانه ، ووضوح حجته وبرهانه قرىء: { يَرَوْاْ } بالياء والتاء . ويبدىء ويبدأ . وقوله: { ثُمَّ يُعِيدُهُ } ليس بمعطوف على يبدىء ، وليست الرؤية واقعة عليه ، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت ، كما وقع النظر في قوله تعالى: { فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الأخرة } على البدء دون الإنشاء ، ونحوه قولك: ما زلت أوثر فلانًا وأستخلفه على من أخلفه ، فإن قلت: هو معطوف بحرف العطف ، فلا بد له من معطوف عليه ، فما هو؟ قلت: هو جملة قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ الله الخلق } وكذلك: وأستخلفه ، معطوف على جملة قوله: ما زلت أوثر فلانًا ذلك يرجع إلى ما يرجع إليه هو في قوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] من معنى يعيد . دل بقوله { النشأة الاخرة } على أنهما نشأتان ، وأن كل واحدة منهما إنشاء ، أي: ابتداء واختراع ، وإخراج من العدم إلى الوجود ، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخر إنشاء بعد إنشاء مثله ، والأولى ليست كذلك . وقرىء «النشأة» و «النشاءة» كالرأفة والرآفة ، فإن قلت: ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله: { ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الأخرة } بعد إضماره في قوله: كيف بدأ الخلق؟ وكان القياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة؟ قلت: الكلام معهم كان واقعًا في الإعادة ، وفيها كانت تصطك الركب ، فلما قرّرهم في الإبداء بأنه من الله ، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء ، فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة ، فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة ، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ { يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } تعذيبه { وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ } رحمته ، ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن وهو من يستوجبهما من الكافر والفاسق إذا لم يتوبا ، ومن المعصوم والتائب { تُقْلَبُونَ } تردون وترجعون { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه { فِى الارض } الفسيحة { وَلاَ فِى السماء } التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها ، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت