فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 3341

كانوا فلاحة فنزعوا إلى عَكَرِهم فأَجَموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء { على طَعَامٍ واحد } أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى . فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا على طعام واحد؟ قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها ، قيل: لا يأكل فلان إلا طعامًا واحدًا يراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف . ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد ، لأنهما معًا من طعام أهل التلذذ والتترف ، ونحن قوم فِلاَحَةٍ أهل زراعات ، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك . ومعنى { يُخْرِجْ لَنَا } يظهر لنا ويوجد . والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر . والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها . وقرىء «وقُثائها» بالضم . والفوم: الحنطة . ومنه فوّموا لنا ، أي: اخبزوا . وقيل: الثوم . ويدل عليه قراءة ابن مسعود: «وثومها» وهو للعدس والبصل أوفق { الذى هُوَ أدنى } الذي هو أقرب منزلة وأدون مقدارًا . والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار فيقال: هو داني المحل وقريب المنزلة ، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال: هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو . وقرأ زهير الفرقبي: ( أدنأ ) بالهمزة من الدناءة { اهبطوا مِصْرًا } وقرىء «اهبُطوا» بالضم: أي انحدروا إليه من التيه . يقال: هبط الوادي إذا نزل به ، وهبط منه ، إذا خرج . وبلاد التيه: ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ، وهي اثنا عشر فرسخًا في ثمانية فراسخ . ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث ، لسكون وسطه كقوله: { وَنُوحًا وَلُوطًا } . وفيهما العجمة والتعريف ، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد ، وأن يريد مصرًا من الأمصار وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش: «اهبطوا مصرَ» بغير تنوين كقوله: { ادخلوا مِصْرَ } . وقيل: هو مصرائيم فعرّب { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه . أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب ، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة ، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم ، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } من قولك: باء فلان بفلان ، إذا كان حقيقًا بأن يقتل به ، لمساواته له ومكافأته ، أي صاروا أحقاء بغضبه { ذلك } إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب ، أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود لعنوا شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم ، فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا . وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، فلو سئلو وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهًا يستحقون به القتل عندهم . وقرأ عليّ Bه «ويقتِّلون» بالتشديد { ذلك } تكرار للإشارة { بِمَا عَصَواْ } بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء ، مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء . وقيل: هو اعتداؤهم في السبت . ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء ، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت