فهرس الكتاب

الصفحة 1929 من 3341

أراد عزّ وجلّ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه { وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الأيمان بالله والإيمان برسوله ، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره ، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرًا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ، ثم عقبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا ، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: { إِنَّ الذين يَسْتَئذنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } وضمنه شيئًا آخر ، وهو: أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين ، وعرّض بحال المنافقين وتسللهم لواذًا . ومعنى قوله: { لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ } لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم ، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له . والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس ، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز ، وذلك نحو مقاتلة عدوّ ، أو تشاور في خطب مهمّ ، أو تضام لإرهاب مخالف ، أو تماسح في حلف وغير ذلك . أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه . وقرىء: «أمر جميع» وفي قوله: { وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } أنه خطب جليل لا بدّ لرسول الله A فيه من ذوي رأي وقوّة ، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته ، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه ، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان ، ومع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه ، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم ، وذلك قوله: { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } . وذكر الاستغفار للمستأذنين: دليل على أنّ الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه . وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن . وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل ولا يتفرقون عنهم . والأمر في الإذن مفوّض إلى الإمام: إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن ، على حسب ما اقتضاه رأيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت