فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 3341

{ واتبعوا } أي نبذوا كتاب الله واتبعوا { مَا تَتْلُواْ الشياطين } يعني واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها { على مُلْكِ سليمان } أي على عهد ملكه وفي زمانه . وذلك أنّ الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دوّنوها في كتب يقرؤنها ويعلمونها الناس ، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب ، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان ، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم ، وبه تسخر الأنس والجن والريح التي تجري بأمره { وَمَا كَفَرَ سليمان } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ، وسماه كفرًا { ولكن الشياطين } هم الذين { كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينه { يُعَلّمُونَ الناس السحر } يقصدون به إغواءهم وإضلالهم { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين } عطف على السحر ، أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين . وقيل: هو عطف على ما تتلو ، أي واتبعوا ما أنزل . { هاروت وماروت } عطف بيان للملكين علمان لهما ، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس . من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنًا:

عَرَفْتُ الشَّرَّ لاَ لَلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ ... كما ابتلى قوم طالوت بالنهر ، { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } [ البقرة: 249 ] . وقرأ الحسن «على الملكين» بكسر اللام ، على أنّ المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل . وما يعلم الملكان أحدًا حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي ابتلاء واختبار من الله { فَلاَ تَكْفُرْ } فلا تتعلم معتقدًا أنه حق فتكفر { فَيَتَعَلَّمُونَ } الضمير لما دلّ عليه من أحد ، أي فيتعلم الناس من الملكين { مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } أي علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه ، كالنفث في العقد ، ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه ، لا أنّ السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى: { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } لأنه ربما أحدث الله عنده فعلًا من أفعاله وربما لم يحدث { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } لأنهم يقصدون به الشر . وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية . ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله { مَالَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } من نصيب { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي باعوها . وقرأ الحسن: «الشياطون» . وعن بعض العرب: بستان فلان حوله بساتون . وقد ذكر وجهه فيما بعد . وقرأ الزهري «هاروتُ وماروتُ» بالرفع على: هما هاروت وماروت . وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا . وقرأ طلحة «وما يعلمان» من أعلم ، وقرىء «بين المرء» بضم الميم وكسرها مع الهمز . والمرّ بالتشديد على تقدير التخفيف والوقف ، كقولهم: فرج ، وإجراء الوصل مجرى الوقف . وقرأ الأعمش: «وما هم بضاريّ» ، بطرح النون والإضافة إلى أحد والفضل بينهما بالظرف ، فإن قلت: كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن ، قلت: جعل الجار جزءًا من المجرور . فإن قلت: كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم في قوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ؟ قلت: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم ، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت