فهرس الكتاب

الصفحة 2402 من 3341

لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا ، قال لنبيه [ A ] { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا } يعني: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين ، كمن لم يزين له ، فكأن رسول الله A قال: «لا» فقال: { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد ، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدي عليه المصالح ، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى وتخليته وشأنه ، فعند ذلك يهيم في الضلال ويطلق آمر النهي ، ويعتنق طاعة الهوى ، حتى يرى القبيح حسنًا والحسن قبيحًا ، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه ، ويقعد تحت قول أبي نواس:

اْقِنِي حَتَّى تَرَانِي ... حَسَنًا عِنْدِي الْقَبِيحُ

وإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم ، فإن على الرسول أن لا يهتم بأمرهم ولا يلقي بالًا إلى ذكرهم ، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم: اقتداء بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم . وذكر الزجاج أنّ المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة ، فحذف الجواب لدلالة فلا تذهب نفسك عليه: أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله ، فحذف لدلالة { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ } عليه حسرات: مفعول له يعني: فلا تهلك نفسك للحسرات . وعليهم صلة تذهب ، كما تقول: هلك عليه حبًا ، ومات عليه حزنًا . أو هو بيان للمتحسر عليه . ولا يجوز أن يتعلق بحسرات ، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته ، ويجوز أن يكون حالًا كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر ، كما قال جرير:

مَشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى ... حَتَّى ذَهَبْنَ كَلاَكِلًا وَصُدُورًَا

يريد: رجعن كلاكلًا وصدورًا ، أي: لم يبق إلا كلاكلها وصدورها . ومنه قوله:

فَعَلَى إثْرِهِمْ تَسَاقَطُ نَفْسِي ... حَسَرَاتٍ وَذِكْرُهُمْ لِي سَقَامُ

وقرىء: «فلا تذهب نفسك» { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت