فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 3341

هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور . كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله A من أمن وسلامة أو خوف وخلل { أَذَاعُواْ بِهِ } وكانت إذاعتهم مفسدة ، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله A وإلى أولي الأمر منهم - وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - { لَعَلِمَهُ } لعلم تدبير ما أخبروا به { الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ } الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها . وقيل: كانوا يقفون من رسول الله A وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء ، أو على خوف واستشعار ، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء ، فتعود إذاعتهم مفسدة . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوّضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا ، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه . وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئًا من الخبر عن السرايا مظنونًا غير معلوم الصحة فيذيعونه ، فيعود ذلك وبالًا على المؤمنين . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون ، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر ، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم . يقال: أذاع السِّر ، وأذاع به . قال:

أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب

ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة ، وهو أبلغ من أذاعوه ، وقرىء «لعلْمِه» بإسكان اللام كقوله:

فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ

والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر ، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه ، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } وهو إرسال الرسول ، وإنزال الكتاب ، والتوفيق { لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان } لبقيتم على الكفر { إِلاَّ قَلِيلًا } منكم . أو إلا اتباعا قليلًا ، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال ، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها . قال: { فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } إن أفردوك وتركوك وحدك { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد ، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف . وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد رسول الله A اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت ، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلوِ على أحد ، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ، وقرىء { لاَ تُكَلَّفُ } بالجزم على النهي ، و «لا نكلف» : بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها { وَحَرِّضِ المؤمنين } وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب ، لا التعنيف بهم { عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ } وهم قريش ، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب ، وما كان معهم زاد إلا السويق ، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم { والله أَشَدُّ بَأْسًا } من قريش { وَأَشَدُّ تَنكِيلًا } تعذيبًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت