فهرس الكتاب

الصفحة 1101 من 3341

{ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض } لم ينشئكم منها إلا هو ، ولم يستعمركم فيها غيره . وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب { واستعمركم فِيهَا } وأمركم بالعمارة ، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه ، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار ، وعمروا الأعمار الطوال ، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا ، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم ، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي . وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره ، فقيل له ، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:

لَيْسَ الفَتَى بِفتَي لاَيسْتَضَاءُ بِه ... وَلاَ تَكُونُ لَهُ في الأَرْضِ آثَارُ

وقيل: استعمركم من العمر ، نحو استبقاكم من البقاء ، وقد جعل من العمرى . وفيه وجهان ، أحدهما: أن يكون استعمر في معنى أعمر ، كقولك استهلكه في معنى أهلكه . ومعناه: أعمركم فيها دياركم ، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم . والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها ، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها ، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره { قَرِيبٌ } داني الرحمة سهل المطلب { مُّجِيبٌ } لمن دعاه وسأله { فِينَا } فيما بيننا { مَرْجُوّا } كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك ، وتكون مشاورًا في الأمور ومسترشدًا في التدابير ، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك . وعن ابن عباس: فاضلًا خيرًا نقدّمك على جميعنا . وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه { يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } حكاية حال ماضية { مُرِيبٍ } من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين . أو من «أراب الرجل» إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي . قيل: { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة ، لأنّ خطابه للجاحدين ، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي ، وأني نبيّ على الحقيقة ، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره ، فمن يمنعني من عذاب الله؟ { فَمَا تَزِيدُونَنِى } إذن حينئذ { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها . أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم ، أي أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون { ءَايَةً } نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل . فإن قلت: فبم يتعلق { لَكُمْ } قلت بآية حالًا منها متقدّمة؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها ، فلما تقدمت انتصبت على الحال { عَذَابٌ قَرِيبٌ } عاجل لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيرًا ، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم { تَمَتَّعُواْ } استمتعوا بالعيش { فِى دَارِكُمْ } في بلدكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت