فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 3341

العرضة: فعلة بمعنى مفعول ، كالقبضة والغرفة ، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزًا ومانعًا منه . تقول: فلان عرضة دون الخير . والعرضة أيضًا: المعرض للأمر . قال:

فَلاَ تجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ... ومعنى الآية على الأولى: أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات ، من صلة رحم ، أو إصلاح ذات بين ، أو إحسان إلى أحد ، أو عبادة ، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني ، فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه ، فقيل لهم: { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } أي حاجزًا لما حلفتم عليه . وسمي المحلوف عليه يمينًا لتلبسه باليمين ، كما قال النبي A لعبد الرحمن بن سمرة:

( 124 ) "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك"أي على شيء مما يحلف عليه . وقوله: { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ } عطف بيان لأيمانكم ، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس . فإن قلت: بم تعلقت اللام في لأيمانكم؟ قلت: بالفعل ، أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا وحجازًا . ويجوز أن يتعلق ب { عُرْضَةً } لما فيها من معنى الاعتراض ، بمعنى لا تجعلوه شيئًا يعترض البر ، من اعترضني كذا . ويجوز أن يكون اللام للتعليل ، ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة ، أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا . ومعناها على الأخرى: ولا تجعلوا الله معرضًا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به ، ولذلك ذم من أنزل فيه { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } [ القلم: 10 ] بأشنع المذامّ وجعل الحلاف مقدّمتها . وأن ( تبروا ) علة للنهي ، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ، لأن الحلاف مجترىء على الله ، غير معظم له ، فلا يكون برًا متقيًا ، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم . اللغو: الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره . ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل «لغو» واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتدّ به في الأَيمان ، وهو الذي لا عقد معه . والدليل عليه { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } [ المائدة: 89 ] ، { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } واختلف الفقهاء فيه ، فعند أبي حنيفة وأصحابه هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه ، ثم يظهر خلافه . وعند الشافعي: هو قول العرب: لا والله ، وبلى والله ، بما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف . ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك ، ولعله قال: لا والله ألف مرة . وفيه معنيان: أحدهما { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن ، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم ، أي اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس . والثاني: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم ، أي بما نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان ، ولم يكن كسب اللسان وحده { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت